20 يوليو 2026 · القانون التجاري
نظام الإفلاس السعودي — طوق نجاة للمدينين والتجار المتعثرين لا وصمة عار

مقدمة
التعثر المالي ليس نهاية الحياة التجارية؛ هذه هي الفلسفة التي قام عليها نظام الإفلاس الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/50) وتاريخ 28/5/1439هـ (الموافق 14/2/2018م)، الذي نقل المملكة من ثقافة "التصفية والملاحقة" إلى ثقافة "الإنقاذ وإعادة التنظيم". فالنظام يمنح المدين المتعثر --- تاجراً كان أو شركة أو حتى شخصاً طبيعياً ذا نشاط — فرصة حقيقية لإعادة هيكلة ديونه ومواصلة نشاطه، ويمنح الدائنين في الوقت نفسه إطاراً عادلاً ومنظماً لاستيفاء حقوقهم. في هذا المقال نشرح إجراءات الإفلاس السبعة، ومتى يلجأ المدين لكل منها، وما آثارها على الدائنين.
أبرز ما يتناوله هذا المقال
- نطاق نظام الإفلاس ومن يخضع لأحكامه
- التسوية الوقائية وإعادة التنظيم المالي: الإنقاذ قبل الغرق
- التصفية وأنواعها عندما يستحيل الاستمرار
- آثار افتتاح الإجراء على الدعاوى والمطالبات وحقوق الدائنين
أولاً: من يخضع لنظام الإفلاس؟ ومتى يفتتح الإجراء؟
يسري نظام الإفلاس على الشخص الطبيعي الذي يمارس في المملكة أعمالاً تجارية أو مهنية أو أعمالاً تهدف إلى تحقيق الربح، وعلى الشركات التجارية والمهنية والكيانات المنظمة الأخرى، وكذلك المستثمر الأجنبي الذي يملك أصولاً في المملكة أو يمارس النشاط فيها من خلال منشأة مرخصة. ويجوز افتتاح إجراءات الإفلاس إذا كان المدين متعثراً — أي عاجزاً عن سداد ديونه في تاريخ استحقاقها — أو مفلساً باستغراق ديونه لأصوله، أو متوقعاً تعثره. وتختص المحكمة التجارية بنظر دعاوى وطلبات الإفلاس، وتتولى لجنة الإفلاس الإشراف على شؤون قيد الأمناء والخبراء وإدارة سجل الإفلاس. والمهم إدراكه أن تقديم طلب افتتاح الإجراء حق للمدين نفسه وللدائن وللجهة المختصة بحسب نوع الإجراء، وأن المبادرة المبكرة قبل تفاقم التعثر توسع الخيارات المتاحة وتزيد فرص الإنقاذ.
ثانياً: التسوية الوقائية وإعادة التنظيم المالي — الإنقاذ أولاً
قدم النظام إجراءين إنقاذيين رئيسيين: الأول هو التسوية الوقائية، وهو إجراء يتيح للمدين التوصل إلى اتفاق مع دائنيه لتسوية ديونه — بجدولة أو تخفيض أو غير ذلك — مع احتفاظه بإدارة نشاطه، ويعرض المقترح على الدائنين للتصويت وفق الأغلبيات التي حددها النظام، فإذا صادقت المحكمة على المقترح أصبح ملزماً للدائنين المشمولين به. والثاني هو إعادة التنظيم المالي، وهو إجراء أعمق يخضع فيه المدين لإشراف أمين إفلاس مرخص يتولى الإشراف على إعداد مقترح إعادة التنظيم وعرضه على الدائنين والمصادقة عليه من المحكمة، مع استمرار النشاط تحت الرقابة. وميزة هذين الإجراءين الكبرى هي التعليق الإجرائي للمطالبات؛ إذ يترتب على افتتاحهما وقف الدعاوى وإجراءات التنفيذ ضد المدين خلال فترة الإجراء وفق أحكام النظام، مما يمنح المنشأة فسحة تلتقط فيها أنفاسها وتعيد هيكلة التزاماتها بدلاً من انهيارها تحت سيل مطالبات متزاحمة. كما خص النظام صغار المدينين بإجراءات مبسطة أقل كلفة وأسرع مدة.
ثالثاً: التصفية — عندما يصبح الاستمرار مستحيلاً
إذا لم يعد النشاط قابلاً للإنقاذ، نظم النظام إجراء التصفية الذي يتولى فيه أمين الإفلاس حصر أصول التفليسة وبيعها وتوزيع حصيلتها على الدائنين بحسب ترتيب أولوياتهم النظامية: فتقدم الديون المضمونة برهون على غيرها في حدود ضمانها، وتحظى مستحقات معينة بأولوية قررها النظام، ثم الديون العادية، وذلك بعد نفقات الإجراء. كما نظم النظام التصفية الإدارية للحالات التي لا يتوقع فيها أن تكفي حصيلة بيع الأصول للوفاء بنفقات إجراء التصفية العادية، وتتولى لجنة الإفلاس شؤونها. ومن الأحكام المهمة في التصفية: سقوط آجال الديون، وتشكيل قائمة المطالبات التي يقدمها الدائنون خلال المدد المحددة --- ومن تأخر دون عذر خاطر بحقه في المشاركة في التوزيعات — وصلاحية الأمين في استرداد التصرفات الضارة التي أجراها المدين قبل الافتتاح خلال فترة الريبة بشروطها، حمايةً للضمان العام للدائنين من التهريب والمحاباة.
رابعاً: آثار عملية يجب أن يعرفها المدين والدائن
بالنسبة للمدين: افتتاح الإجراء ليس عقوبة، لكنه يرتب التزامات صارمة بالإفصاح الكامل عن الأصول والالتزامات والتعاون مع الأمين، ويحظر عليه التصرفات الضارة بالدائنين، وقد يتعرض من يخفي أصولاً أو يقدم بيانات مضللة للمسؤولية والعقوبات المقررة نظاماً. وبالنسبة للدائن: العبرة بالسرعة والتوثيق — قدم مطالبتك خلال المدة المحددة مرفقة بمستنداتها، وشارك في اجتماعات الدائنين والتصويت على المقترحات، فالأغلبية الموافقة تلزم الأقلية متى صادقت المحكمة. وبالنسبة للموردين والمتعاملين مع منشأة متعثرة: افتتاح الإجراء لا يعني بالضرورة فسخ العقود القائمة تلقائياً، وللأمين والمحكمة صلاحيات بشأن استمرار العقود اللازمة للنشاط وفق النظام. وأخيراً، يقيد افتتاح الإجراءات في سجل الإفلاس، وهو سجل يتيح للمتعاملين التحقق من الحالة النظامية لمن يتعاقدون معه، فينبغي مراجعته قبل الصفقات الكبيرة.
أسئلة شائعة
هل نظام الإفلاس للشركات فقط أم يشمل الأفراد؟
يشمل النظام الشخص الطبيعي الممارس لنشاط تجاري أو مهني أو ربحي في المملكة، إضافة إلى الشركات والكيانات المنظمة والمستثمر الأجنبي ذي الأصول أو النشاط في المملكة؛ فالفرد صاحب المؤسسة يستفيد من إجراءاته.
هل توقف إجراءات الإفلاس الدعاوى والتنفيذ ضد المدين؟
نعم؛ يترتب على افتتاح إجراءات الإنقاذ كالتسوية الوقائية وإعادة التنظيم المالي تعليق المطالبات ووقف إجراءات التنفيذ ضد المدين خلال الإجراء وفق أحكام النظام، لتمكينه من إعادة الهيكلة بشكل منظم.
أنا دائن لمنشأة أفلست، كيف أحفظ حقي؟
بادر بتقديم مطالبتك إلى أمين الإفلاس خلال المدة المحددة في الإعلان مرفقة بمستندات الدين، وتابع اجتماعات الدائنين وقوائم المطالبات، فالتأخر دون عذر قد يفقدك المشاركة في التوزيعات.
الخاتمة
نظام الإفلاس السعودي وازن بدقة بين إنقاذ الأنشطة القابلة للاستمرار وتصفية المتعذر إنقاذه بعدالة وشفافية، وجعل التعثر مرحلة قابلة للإدارة لا نهاية محتومة. غير أن اختيار الإجراء المناسب — تسوية وقائية أم إعادة تنظيم أم تصفية — وتوقيت التقدم به، وصياغة مقترح مقنع للدائنين، قرارات استراتيجية تصنع الفارق بين نجاة المنشأة وضياعها، وتستوجب رأياً قانونياً متخصصاً منذ أول بوادر التعثر.
مكتب زياد بن محمد الأهدل للمحاماة والاستشارات القانونية — نضمن لك الاستشارة القانونية المتخصصة والتقاضي بأعلى معايير الجودة. جوال 0566689487 — المحامي زياد بن محمد الأهدل، ترخيص رقم 4487.
