20 يوليو 2026 · القضايا الجزائية
الرشوة واستغلال النفوذ الوظيفي في النظام السعودي — عقوبات تصل إلى السجن 10 سنوات وغرامة مليون ريال

مقدمة
النزاهة ركيزة لا تساوم عليها الدولة؛ ولذلك جاء نظام مكافحة الرشوة الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/36) وتاريخ 29/12/1412هـ (الموافق 30/6/1992م) بعقوبات مشددة تطال الراشي والمرتشي والوسيط معاً، وتمتد لتجرم استغلال النفوذ الوظيفي حتى لو كان النفوذ مزعوماً لا حقيقياً. ومع تعاظم دور هيئة الرقابة ومكافحة الفساد (نزاهة) في ضبط قضايا الفساد المالي والإداري، أصبح الوعي بحدود هذه الجرائم ضرورة لكل موظف وصاحب عمل يتعامل مع الجهات الحكومية. في هذا المقال نوضح أركان جريمتي الرشوة واستغلال النفوذ، وعقوباتهما، والحالات التي يعفى فيها المبلغ من العقوبة.
أبرز ما يتناوله هذا المقال
- أركان جريمة الرشوة ومن يعد موظفاً عاماً في حكم النظام
- استغلال النفوذ الوظيفي: الجريمة التي يجهلها كثيرون
- العقوبات المقررة على الراشي والمرتشي والوسيط
- الإعفاء من العقوبة والإبلاغ عبر هيئة نزاهة
أولاً: جريمة الرشوة — أركانها ونطاقها
تقوم جريمة الرشوة وفق المادة (1) من نظام مكافحة الرشوة على طلب الموظف العام لنفسه أو لغيره، أو قبوله أو أخذه وعداً أو عطية، لأداء عمل من أعمال وظيفته أو يزعم أنه من أعمال وظيفته — ولو كان هذا العمل مشروعاً. وتمتد الجريمة إلى صور أخرى قررها النظام: الارتشاء للامتناع عن عمل من أعمال الوظيفة أو للإخلال بواجباتها، والارتشاء اللاحق بقبول العطية بعد إتمام العمل أو الامتناع بقصد المكافأة. ووسع النظام في مادته الثامنة مفهوم الموظف العام ليشمل، في حكم تطبيقه، كل من يعمل لدى الدولة أو الأجهزة ذات الشخصية المعنوية العامة، والمحكمين والخبراء المعينين، والعاملين في الشركات والمؤسسات التي تدير مرافق عامة أو تباشر خدمة عامة، وغيرهم ممن نص عليهم؛ فالحماية الجنائية للنزاهة لا تقتصر على الدوائر الحكومية التقليدية. ولا يشترط أن تكون العطية مالاً نقدياً، فكل فائدة أو ميزة يحصل عليها المرتشي تعد رشوة أياً كان اسمها أو نوعها.
ثانياً: استغلال النفوذ الوظيفي — جريمة مستقلة بذاتها
جرّم النظام في المادة (4) صورة دقيقة يقع فيها كثيرون بحسن نية أو سوئها: كل موظف عام طلب لنفسه أو لغيره أو قبل أو أخذ وعداً أو عطية لاستعمال نفوذ حقيقي أو مزعوم للحصول أو محاولة الحصول من أي سلطة عامة على عمل أو أمر أو قرار أو التزام أو ترخيص أو اتفاق توريد أو وظيفة أو خدمة أو أي مزية من أي نوع، يعد في حكم المرتشي ويعاقب بعقوبة الرشوة. والمعنى العملي: من يتقاضى مقابلاً — مالاً أو منفعة — لقاء "توسطه بنفوذه" لإنهاء معاملة أو استخراج ترخيص أو تعيين شخص في وظيفة، يرتكب جريمة يعاقب عليها كالمرتشي تماماً، حتى لو كان نفوذه المزعوم وهمياً لا وجود له. كما عاقب النظام كل موظف عام أخل بواجبات وظيفته بأن أدى عملاً أو امتنع عنه نتيجة رجاء أو توصية أو وساطة، وهو ما يضع حداً فاصلاً بين الشفاعة الحسنة المجردة والمحاباة المجرمة التي تهدر تكافؤ الفرص.
ثالثاً: العقوبات — الراشي والمرتشي والوسيط في دائرة واحدة
العقوبة الأصلية للمرتشي وفق النظام هي السجن مدة لا تتجاوز 10 سنوات وغرامة لا تتجاوز 1,000,000 ريال، أو إحدى هاتين العقوبتين. ولم يفلت الطرف الآخر من العقاب؛ فقد قرر النظام معاقبة الراشي والوسيط بالعقوبة المنصوص عليها ذاتها، فمن عرض الرشوة أو توسط في تقديمها شريك في الجريمة يستحق عقوبتها، ويعاقب على الشروع في الرشوة بالعقوبة المقررة للجريمة. ويحكم إضافة إلى ذلك بمصادرة العطية محل الرشوة. ومن الآثار الموازية الخطيرة: العزل من الوظيفة العامة والحرمان من التعيين فيها وفق الأحكام المقررة، وحرمان الشركات والأفراد الذين يثبت تورطهم في رشوة للحصول على عقود حكومية من التعامل مع الجهات الحكومية بحسب ما تقرره الأحكام المنظمة، إضافة إلى التشهير بالحكم النهائي متى قررته المحكمة استناداً إلى الأنظمة ذات الصلة. فالثمن الحقيقي للرشوة يتجاوز السجن والغرامة إلى الموت المهني والتجاري.
رابعاً: الإعفاء من العقوبة — بوابة التوبة والإبلاغ
أدرك المنظم أن كشف جرائم الرشوة يصعب دون تعاون أحد أطرافها، فقرر في المادة (16) إعفاء الراشي أو الوسيط من العقوبة إذا أخبر السلطات بالجريمة قبل اكتشافها؛ وهي قاعدة ذهبية تفتح باب النجاة لمن ورط نفسه ثم أراد التراجع، وتفكك جدار الصمت بين أطراف الجريمة. ويجري الإبلاغ عن جرائم الفساد المالي والإداري إلى هيئة الرقابة ومكافحة الفساد (نزاهة) عبر قنواتها المعتمدة ومنها البلاغ الإلكتروني، مع مباشرة النيابة العامة للتحقيق والادعاء أمام المحكمة الجزائية المختصة. كما قررت الأنظمة ذات الصلة مكافآت مالية لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى إثبات جريمة رشوة واسترداد أموال، وفق الضوابط المقررة. وننصح الموظفين وأصحاب الأعمال بقاعدة وقائية بسيطة: أي طلب مقابل غير رسمي لإنجاز معاملة — نقداً أو هدية أو منفعة --- هو إنذار أحمر يوجب التوقف والإبلاغ، فالمجاملة في هذا الباب قد تساوي عشر سنوات سجن.
أسئلة شائعة
هل تعد الهدية للموظف الحكومي رشوة؟
إذا ارتبطت الهدية بأداء عمل من أعمال الوظيفة أو الامتناع عنه أو كانت بقصد المكافأة عليه، فهي رشوة معاقب عليها أياً كانت قيمتها أو مسماها؛ فالعبرة بارتباطها بالوظيفة لا باسمها.
دفعت رشوة مضطراً، هل يمكن أن أنجو من العقوبة؟
نعم؛ قررت المادة (16) من نظام مكافحة الرشوة إعفاء الراشي أو الوسيط من العقوبة إذا أخبر السلطات بالجريمة قبل اكتشافها، فالمبادرة بالإبلاغ إلى نزاهة أو الجهات المختصة قبل الكشف طريق الإعفاء.
هل يعاقب من استغل نفوذه دون أن يقبض مالاً؟
مجرد طلب أو قبول الوعد بالعطية لاستعمال النفوذ الحقيقي أو المزعوم يكفي لقيام الجريمة وفق المادة (4)؛ فلا يشترط القبض الفعلي، كما يعاقب الموظف الذي يخل بواجبات وظيفته نتيجة توصية أو وساطة.
الخاتمة
رسم نظام مكافحة الرشوة دائرة تجريم واسعة تشمل الراشي والمرتشي والوسيط ومستغل النفوذ، وعقوبات تصل إلى السجن 10 سنوات وغرامة 1,000,000 ريال مع المصادرة والعزل والحرمان. والوقاية تبدأ من وعي الموظف وصاحب العمل بالخط الفاصل بين المشروع والمجرم، فإذا وقعت الواقعة فإن حسن التصرف المبكر --- إبلاغاً أو دفاعاً — يغير مصير القضية كلياً، وهو ما يستدعي استشارة جنائية متخصصة دون تأخير.
مكتب زياد بن محمد الأهدل للمحاماة والاستشارات القانونية — نضمن لك الاستشارة القانونية المتخصصة والتقاضي بأعلى معايير الجودة. جوال 0566689487 — المحامي زياد بن محمد الأهدل، ترخيص رقم 4487.
