← العودة إلى المدونة

5 أغسطس 2026 · فض النزاعات

التحكيم التجاري وإجراءاته في النظام السعودي

طاولة تحكيم تجاري عليها مطرقة قضائية ووثائق عقود وميزان العدالة

مقدمة

تحول التحكيم في المملكة العربية السعودية إلى أحد أهم الوسائل البديلة لتسوية منازعات الأعمال، لا سيما بعد صدور نظام التحكيم السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/34) وتاريخ 24/5/1433هـ، وإنشاء المركز السعودي للتحكيم التجاري. ويُقبل المستثمرون والشركات على إدراج شرط التحكيم في عقودهم لما يتسم به من سرعة ومرونة نسبية مقارنةً بالتقاضي أمام المحاكم. في هذا المقال نستعرض — بلغة نظامية واضحة — ماهية التحكيم التجاري، وإجراءاته، وأحكام بطلان حكم المحكّم، وآلية تنفيذه وفقاً لنظام التنفيذ.

أبرز ما يتناوله هذا المقال

  • تعريف التحكيم التجاري ومزاياه عن التقاضي القضائي.
  • اتفاق التحكيم وشروطه النظامية وفقاً لنظام التحكيم السعودي.
  • إجراءات تشكيل هيئة التحكيم وسير الخصومة التحكيمية.
  • حالات بطلان حكم المحكّم ودعوى البطلان أمام المحكمة المختصة.
  • تنفيذ حكم التحكيم عبر محكمة التنفيذ وإجراءاته.

أولاً: مفهوم التحكيم التجاري وأهميته

التحكيم هو طريق اتفاقي لفض النزاع بين طرفين أو أكثر، يُعهد بموجبه إلى محكّم أو لجنة تحكيم للفصل في النزاع بحكم ملزم بدلاً من المحكمة المختصة أصلاً بنظر النزاع. وقد عني نظام التحكيم السعودي بتنظيم هذه الوسيلة تأكيداً لحرية الأطراف في اختيار آلية تسوية منازعاتهم، وتحقيقاً لسرعة الفصل في الدعاوى التجارية والاستثمارية. ويتميز التحكيم بأنه إرادي — فلا يفرض على أحد — وسري — إذ تُعقد جلساته دون علانية — وسريع مقارنةً بمراحل التقاضي العادية.

ثانياً: اتفاق التحكيم وشروطه النظامية

يُشترط في اتفاق التحكيم أن يكون مكتوباً، سواء في صورة شرط تحكيم وارد في العقد الأصلي (قبل نشوء النزاع)، أو في صورة مشارطة تحكيم مستقلة تُبرم بعد نشوء النزاع. ونصّت المادة التاسعة من نظام التحكيم على أنه لا يجوز الاتفاق على التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح، كما اشترطت الأهلية القانونية للتصرف في الحق المتنازع عليه. ولا يصح اتفاق التحكيم من شخص طبيعي لا يملك أهلية التصرف، أو من شخص اعتباري يفتقر إلى الصفة النظامية.

ونص النظام كذلك على أن اتفاق التحكيم يُعد مستقلاً عن العقد الذي ورد فيه، فلا يبطل ببطلان العقد الأصلي — ما لم يثبت أن العيب الذي لحق بالعقد قد امتد إلى شرط التحكيم ذاته، كالغش أو الإكراه.

ثالثاً: إجراءات التحكيم وهيئة التحكيم

بعد نشوء النزاع، يختار الأطراف المحكّمين — إما بالاتفاق أو بموجب الآلية المبيّنة في نظام التحكيم. وإذا كان عدد المحكّمين فرداً واحداً تعين عليه قبول المهمة خطياً. أما إذا كانت هيئة التحكيم مشكلة من ثلاثة محكّمين، فيختار كل طرف محكّماً، ثم يعين المحكمان المحكّم الثالث (المرجّح). وفي حال تعذر اتفاق الطرفين أو امتنع أحدهم عن تعيين محكّمه، يُرفع الأمر إلى المحكمة المختصة التي تتولى التعيين.

وتبدأ إجراءات التحكيم من تاريخ تسلم هيئة التحكيم ملف الدعوى، وتلتزم الهيئة بإصدار الحكم خلال المدة المتفق عليها بين الأطراف، أو خلال اثني عشر شهراً من تاريخ بدء الإجراءات إن لم يوجد اتفاق على مدة محددة — ويجوز تمديدها باتفاق الطرفين أو بقرار من المحكمة المختصة. وتسري على إجراءات التحكيم القواعد التي يتفق عليها الطرفان، فإن لم توجد فالقواعد التي تراها هيئة التحكيم مناسبة، مع مراعاة أحكام نظام التحكيم.

رابعاً: حكم التحكيم والطعن فيه

يصدر حكم التحكيم بأغلبية آراء هيئة التحكيم — ويجب أن يكون مكتوباً ومسبباً ومذيّلاً بتاريخ إصداره وتوقيع المحكّمين. ويكتسب الحكم حجية الأمر المقضي به من تاريخ إصداره، ويصبح واجب النفاذ بعد أن تصدر المحكمة المختصة أمراً بتنفيذه.

أما الطعن في حكم التحكيم فلا يكون بطريق الاستئناف، وإنما حصر النظام سبيل الطعن برفع دعوى بطلان حكم التحكيم أمام المحكمة المختصة خلال ستين يوماً من تاريخ إبلاغه للمحتكم ضده، وذلك في الحالات المحددة على سبيل الحصر في نظام التحكيم — ومنها: عدم وجود اتفاق تحكيم أو بطلانه، أو خروج الحكم عن نطاق اتفاق التحكيم، أو تشكيل هيئة التحكيم على نحو مخالف للنظام، أو مخالفة الحكم للنظام العام في المملكة.

أسئلة شائعة

ما الفرق بين التحكيم والتقاضي القضائي؟

التقاضي القضائي يتم أمام محاكم الدولة في جلسات علنية ويمر بعدة درجات (ابتداء — استئناف — نقض)، بينما التحكيم طريق اتفاقي خاص وسري يتم أمام محكّمين يختارهم الأطراف بأنفسهم، ويكون حكمه نهائياً في الغالب ولا يقبل الاستئناف، وإنما يخضع فقط لدعوى البطلان.

هل يُلزم حكم التحكيم الصادر في المملكة في الخارج؟

نعم — المملكة العربية السعودية طرف في اتفاقية نيويورك للاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها لعام 1958م، مما يسهل الاعتراف بحكم التحكيم السعودي في أكثر من 170 دولة، والعكس صحيح — شريطة ألا يكون الحكم مخالفاً للنظام العام في الدولة المطلوب التنفيذ فيها.

متى تبدأ مدة الستين يوماً لرفع دعوى بطلان حكم التحكيم؟

تبدأ مدة الستين يوماً من تاريخ إبلاغ المحتكم ضده بحكم التحكيم إبلاغاً نظامياً. ويُعد هذا الميعاد من مواعيد السقوط — لا يقبل التمديد ولا يوقف إلا بقوة قاهرة — لذا يُوصى بالمبادرة إلى التواصل مع محامٍ متخصص فور استلام الحكم.

الخاتمة

يمثل التحكيم التجاري خياراً استراتيجياً لتسوية المنازعات بكفاءة عالية، لكنه في الوقت ذاته يتطلب صياغة محكمة لاتفاق التحكيم وإلماماً بإجراءاته النظامية لضمان سلامة الحكم التحكيمي وقابليته للتنفيذ. ولا غنى عن الاستعانة بمستشار قانوني متخصص في مراحل التحكيم كافة — من الصياغة إلى التنفيذ.

مكتب زياد بن محمد الأهدل للمحاماة والاستشارات القانونية — نسعد بتقديم الاستشارة القانونية المتخصصة في قضاياكم. لا تتردد في التواصل معنا عبر الجوال: 0566689487 — المحامي زياد بن محمد الأهدل، ترخيص رقم 4487

شعار مكتب زياد بن محمد الأهدل

المحامي والموثق زياد بن محمد الأهدل

محامٍ وموثق معتمد