5 أغسطس 2026 · العقود
فسخ العقود والتعويض عن الإخلال بالالتزامات التعاقدية في النظام السعودي

مقدمة
تتوقف مصالح المتعاقدين على مدى التزام كل طرف بما تعهد به في العقد. فإذا أخل أحد الطرفين بالتزامه التعاقدي، ثارت مسألتان رئيستان: الأولى مدى جواز فسخ العقد، والثانية مقدار التعويض المستحق نظير الضرر الناتج عن الإخلال. وفي هذا المقال نستعرض — استناداً إلى القواعد العامة في النظام السعودي ونظام المعاملات المدنية — أحكام فسخ العقود، وأنواع التعويض، وشروط استحقاقه، مع إشارة إلى الفروق الجوهرية بين الفسخ القضائي والفسخ الاتفاقي.
أبرز ما يتناوله هذا المقال
- الأساس النظامي للفسخ في نظام المعاملات المدنية.
- أنواع الإخلال بالعقد الموجبة للفسخ.
- الفرق بين الفسخ القضائي والفسخ الاتفاقي والانفساخ بحكم النظام.
- أركان التعويض وشروط استحقاقه.
- كيفية تقدير التعويض وأحكام الشرط الجزائي.
أولاً: الأساس النظامي لفسخ العقد
يستند فسخ العقد في النظام السعودي إلى القاعدة الشرعية: «العقد شريعة المتعاقدين» — فلا يجوز نقضه أو تعديله إلا باتفاق الطرفين أو بحكم قضائي. وقد نص نظام المعاملات المدنية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/191) وتاريخ 29/11/1444هـ على أحكام فسخ العقد في المواد من (الثانية والستين بعد المئة) إلى (السابعة والستين بعد المئة)، حيث بيّن النظام أنه في العقود الملزمة للجانبين إذا لم يوفِّ أحد الطرفين بالتزامه جاز للطرف الآخر بعد إعذاره أن يطلب فسخ العقد أو تنفيذه مع التعويض.
ثانياً: أنواع الإخلال الموجبة للفسخ
لا يترتب الفسخ على أي إخلال — بل يجب أن يكون الإخلال جوهرياً، أي متعلقاً بالتزام أساسي في العقد، بحيث يترتب على عدم الوفاء به إخلال جسيم بالغرض الذي أبرم العقد من أجله. ومن صور الإخلال الجوهري: امتناع المشتري عن دفع الثمن بالكامل رغم حلول الأجل، أو تسليم البائع بضاعة تخالف المواصفات المتفق عليها اختلافاً جوهرياً، أو تقاعس المقاول عن إنجاز المشروع دون مسوغ نظامي رغم انقضاء المدة المتفق عليها.
أما الإخلال الجزئي أو اليسير — كالتأخر غير المبرر في التسليم لفترة قصيرة دون أن يفقد العقد جدواه — فلا يبرر الفسخ عادةً، وإنما يُكتفى فيه بالتعويض عن الضرر الفعلي الناشئ عن التأخير.
ثالثاً: الفسخ القضائي والاتفاقي والانفساخ
الأصل أن الفسخ يكون بحكم قضائي — أي برفع دعوى أمام المحكمة المختصة تطلب الفسخ والتعويض. وفي هذه الحالة تنظر المحكمة في مدى جسامة الإخلال قبل أن تقضي بالفسخ أو تمنح المدين مهلة للوفاء. وقد يتقرر الفسخ بالاتفاق (الفسخ الاتفاقي أو «الشرط الفاسخ الصريح») فيُصرح في العقد بأنه ينفسخ تلقائياً بمجرد حصول واقعة معينة كعدم السداد في الموعد المحدد — ويُسمى ذلك «الفسخ بحكم الاتفاق». أما الانفساخ فيقع بقوة النظام — كما في هلاك محل العقد أو استحالة تنفيذه.
رابعاً: التعويض عن الإخلال بالالتزام
إذا فُسخ العقد بسبب إخلال أحد الطرفين، استحق الطرف المضرور التعويض عن الضرر الذي لحقه، سواء أكان ضرراً مادياً مباشراً (كالخسارة التي لحقته وما فاته من كسب)، أم ضرراً أدبياً في الأحوال التي يقدرها القاضي. ويشترط لاستحقاق التعويض ثلاثة أركان: (1) وجود خطأ عقدي (الإخلال)، (2) ووجود ضرر فعلي، (3) وعلاقة سببية بين الخطأ والضرر.
ويجوز للأطراف أن يتفقوا مقدماً على مقدار التعويض في صورة شرط جزائي — كأن يُنص في العقد على غرامة مالية محددة عن كل يوم تأخير. غير أن القاضي يملك — بموجب المادة (الثالثة والسبعين بعد المئة) من نظام المعاملات المدنية — تخفيض التعويض المتفق عليه إذا كان مبالغاً فيه، أو إذا أثبت المدين أن الضرر الفعلي يقل كثيراً عن المبلغ المتفق عليه — فلا يكون الشرط الجزائي وسيلةً للإثراء غير المشروع.
أسئلة شائعة
هل يشترط إعذار المدين قبل طلب الفسخ؟
نعم — الأصل أن الدائن يُلزم بإعذار المدين قبل المطالبة بالفسخ، أي إنذاره رسمياً بوجوب الوفاء بالتزامه خلال مدة معقولة. ويُستثنى من ذلك حالتان: الأولى أن يتفق الطرفان على أن العقد ينفسخ تلقائياً دون حاجة إلى إعذار، والثانية أن يكون التنفيذ قد أصبح مستحيلاً بحكم الواقع.
هل يمكن الجمع بين طلب الفسخ وطلب التعويض؟
نعم — يجوز للطرف المضرور أن يجمع بين طلب فسخ العقد وطلب التعويض عن الضرر الذي لحقه. فالفسخ يُنهي العقد ويعيد الطرفين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد، والتعويض يُجبر ما لحق المضرور من خسائر أثناء نفاذ العقد. وهذا ما استقر عليه الاجتهاد القضائي في المملكة.
كم المدة النظامية لرفع دعوى فسخ العقد؟
لم يحدد النظام مدة محددة لرفع دعوى فسخ العقد. لكن يُوصى بالمبادرة فور حصول الإخلال — لأن التأخير الطويل قد يُفسر على أنه نزول ضمني عن الحق في الفسخ، أو رضا بالاستمرار في العقد رغم الإخلال. كما أن الدعاوى الناشئة عن العقد تخضع عموماً للتقادم وفق القواعد العامة.
الخاتمة
فسخ العقد إجراء قانوني بالغ الأهمية — لا يُقدم عليه إلا بعد دراسة دقيقة تبين جسامة الإخلال واستكمال إجراءات الإعذار. والتعويض عن الإخلال بالالتزام حق مقرر نظاماً — لكنه مرهون بإثبات أركانه. والمشورة القانونية المبكرة — قبل توقيع العقد وقبل اتخاذ قرار الفسخ — خير وسيلة لتفادي النزاعات المكلفة.
مكتب زياد بن محمد الأهدل للمحاماة والاستشارات القانونية — نسعد بتقديم الاستشارة القانونية المتخصصة في قضاياكم. لا تتردد في التواصل معنا عبر الجوال: 0566689487 — المحامي زياد بن محمد الأهدل، ترخيص رقم 4487
